عبد الملك الجويني
127
نهاية المطلب في دراية المذهب
وقد قال : إن لم أطلقك ، فأنت طالق ، فإذا جنّ ، فالجنون لا يقطع توقع التطليق بتقدير الإفاقة ، ولكن إذا اتصل بالموت أسندنا اليأس إلى أول الجنون ، كذلك البينونة تنافي التطليق ، ولا تنافي توقّعه ، فإذا استمرت البينونة إلى الموت ، كان بمثابة اتصال الجنون بالموت ، فيلزم من هذا المساق إسناد اليأس إلى الفسخ ، فليقع الطلاق قُبَيْله . وليتصوّن المرء الآن من الوقوع في الدَّوْر ؛ فإن الطلاق المعلق لو كان رجعياً ، انتظم فيه تصوّر الفسخ ، وإن كان بائناً ، وقع في قاعدة الدَّور ، فلا التفات إليها ؛ فإنها بين أيدينا ( 1 ) ، وسنفري فيها فريّنا ( 2 ) ، والله المستعان . 9062 - والغرض الآن الفرق بين أن يقول : إن لم أطلقك فأنتِ طالق ، وبين أن يقول : إن لم أضربك ، فأنت طالق ، فإن اليأس عن التطليق يستند إلى أول البينونة ؛ فإن البينونة تنافي التطليق ، والبينونة لا تنافي الضرب ، فاليأس من الضرب يقع قبيل الموت ، ولا يصادف محلاً للطلاق . ولو قال : إن لم أطلقك فأنت طالق ، فانفسخ النكاح بردةٍ أو غيرها ، ثم جدد عليها نكاحاً ، فالتطليق يتصوّر في النكاح الثاني ، وإن منعنا عَوْد الحنث ، فإن الذي يمتنع هو الطلاق المعلّق لا التطليق في صورته ، وصورة التطليق في النكاح الثاني
--> ( 1 ) بين أيدينا : أي أمامنا . ( 2 ) وسنفري فيها فريّنا : يقال : فلانٌ يفري الفريّ ، وهو أن يبالغ في الأمر حتى يتعجب منه ، والفريّ الأمر العظيم . وإمام الحرمين هنا ناظرٌ إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمر بن الخطاب : " فلم أر عبقرياً يفري فريّه " ( ر . غريب الحديث للخطابي : 2 / 571 ) وفي القاموس : الفريّ كغني يأتي بالعجب في عمله . والحديث متفق عليه ، رواه البخاري : كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، ح 3634 ، وأطرافه في 3676 ، 3682 ، 7019 ، 7020 . ورواه مسلم : كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل عمر ، ح 2393 . وتمام الحديث : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أنا نائم رأيتني على قليبٍ عليها دَلو ، فنزعت منها ما شاء الله ، ثم أخذها ابن أبي قحافة ، فنزع بها ذنوباً أو ذنوبين ، وفي نزعه ضعف ، والله يغفر له ، ثم استحالت غرباً ، فأخذها عمر بن الخطاب ، فلم أر عبقرياً يفري فريّه " .